ورحل ” الطفشان ” قبل أن تكتمل حكايات الغريب

> محمود الجندى .. لعب مع الكبار وحارب فى اكتوبر وتربع على عرش القلوب ورحل فى هدوء

 

> قصته مع الالحاد والتوبه الى الله وعلاقته بالمتى وحكاياته عن الجندى المجهول .

كتب / سيد جمال

 

من ينظر إلى اختلاف تعبيرات وجهه وملامحه بعد تقدمه فى العمر عن تلك الملامح المرحة الباسمة فترة شبابه يدرك أن أشياء كثيرة تغيرت، وأحداثا عظيمة وقعت، فغيرت تلك الملامح ونحتت عليها أنهارا من الحزن ومنحتها كثيرا من العمق والحكمة..هكذا كانت ملامح الفنان الراحل محمود الجندى، فإذا نظرت إلى وجهه وابتساماته وضحكاته فترة شبابه حين كان يؤدى أدوار الشاب المرح المسئول أو المستهتر تتعجب من حجم التغير الذى أصاب تلك الملامح بعد تقدم العمر وكأن صاحبها لم يبتسم من قبل ولا يعرف سوى الأحزان.

 

رصيد ضخم من الأعمال الفنية التى شملت كل أشكال الفن والتمثيل، الكوميدى والتراجيدى الدراما والسينما والمسرح، وحتى الاستعراض والغناء، لا يقل عن رصيد الأحزان التى حملها الفنان الكبير المولود فى محافظة البحيرة فى 24 فبراير عام 1945 فى أسرة ريفية بسيطة، حيث حصل على دبلوم الصنايع قسم النسيج وعمل بأحد مصانع النسيج، وشجعه المحيطون به بعد إعجابهم بصوته ووقوفه لأول مرة على خشبة المسرح بمركز شباب المركز، ليلتحق بالمعهد العالى للسينما.

 

 

تخرج محمود الجندى من معهد السينما عام 1967 وبعدها بدأت فترة تجنيده حيث خدم فى سلاح الطيران لمدة 7 سنوات وشارك فى حرب أكتوبر 73، وتعرف خلال هذه الفترة على المخرج عاطف الطيب، وبدأت بعدها مسيرته الفنية الحافلة التى حمل بعضها ملمحا من ملامح حياته الشخصية.

 

 

بدأ المسيرة بأدوار الشاب المرح المقبل على الحياة وكان وجوده فى أى عمل يضفى عليه لونا من البهجة والأمل، وبدأ حياته الفنية من خلال المسرح، حيث أكسبته خفة ظله وبشاشة ملامحه وجمال صوته فى أداء المواويل قبولا خاصا لدى الجمهور، وربما لا يعرف الكثيرون أن الجندى شارك فى مسرحية مدرسة المشاغبين فى الدور الذى قام به أحمد زكى بعد انتهاء فترة تجنيده، وبعدها جذبته السينما ليشارك فى عدد من الأعمال ومنها دعاء المظلومين وشيلنى واشيلك عام 1977، وكذلك فيلم شفيقة ومتولى، ليتوالى بعدها تألقه فى عشرات الأعمال السينمائية والمسرحية والدرامية، فكان من أبرز أعماله المسرحية “علشان خاطر عيونك، بحبك يا مجرم، البرنسيسة، إنها حقا عائلة محترمة وغيرها من المسرحيات التى أكسبت الجندى شعبية ومحبة وقاعدة جماهيرية كبيرة، فضلا عن أدواره المتميزة فى روائع الأعمال الدرامية التى لا تنسى ومنها:” أبنائى الأعزاء شكرا، ودموع فى عيون وقحة، عيلة الدوغرى، ولسه باحلم بيوم، الشهد والدموع، رحلة أبو العلا البشرى، على الزيبق، هو وهى، وكسبنا القضية، عصفور النار، البشاير، انا وانت وبابا فى المشمش، عائلة الاستاذ شلش، ضمير أبلة حكمت، النوة، الشارع الجديد، السيرة الهلالية، الخواجة عبدالقادر، الأدهم، الفنار، حديث الصباح والمساء ،الجماعة، رمضان كريم، أفراح إبليس، الطوفان، الأب الروحى، لهفة وغيرها عشرات الأعمال.

 

وفى السينما قدم الجندى العديد من الروائع، التى وإن لم يستحوذ فى الكثير منها على أدوار البطولة المطلقة إلا أنه كان بطلا فى دوره وبقيت أعماله محفورة فى الأذهان ومنها ” ساعة ونص، شمس الزناتى، ناجى العلى، اللعب مع الكبار، يوم حلو ويوم مر، التوت والنبوت، عصافير النيل، الفرح، على جنب يااسطى، كباريه، واحد من الناس..وغيرها “.

 

وقام الجندى المجند المحارب المقاتل ببطولة فيلم حكايات الغريب الذى جسد فيه بطولات وحكايات الجنود المجهولة من أبطال حرب أكتوبر وبطولات ونضال شعب السويس.

 

لم يترك الفنان العاشق لفنه مجالاً فنياً إلا وأبدع فيه حتى أنه شارك فى بطولة فوازير رمضان عالم ورق وألف ليلة وليلة، ومسلسل الأطفال الشهير بوجى وطمطم، كما غنى فى العديد من الأعمال التى قدمها حتى أنه قدم ألبوم غنائى بعنوان “فنان فقير” عام 1990، ولكنه لم يحب استكمال التجربة كما أكد فى احد حوارته.

 

أجاد الفنان الراحل فى كل ما قدم من أعمال، سواء فى أدوار الشاب أو الشيخ، الشر أو الخير، التراجيديا أو الكوميديا، ووقف إلى جوار الكبار والعمالقة كتفا بكتف فى مبارزات فنية خرج منها فائزا بمحبة الجماهير العريضة.

 

أكسبته تجاربه الشخصية الثرية والمريرة خبرات أعمق وأحزان تركت أثرها على وجهه، فالفنان الذى حقق كل هذا المجد والقبول فى شبابه ربما اغتر يوما بقدراته كما صرح فى بعض لقاءاته وظن أنه حقق النجاح بجهده فقط، وكاد أن يمضى فى طريق بعيد عن الإيمان بقدرة الخالق، حتى وقع حادث زلزل حياته عام 2001 عندما اشتعلت النيران فى شقته والتهمت كل محتوياتها كما قضت على حياة زوجته وأم أبنائه الأربعة ” ثلاث بنات وولد”، لتتغير حياته بعدها ويقترب من الله، ويضفى هذا الحادث لمحة حزن على ملامحه لم تفارقه حتى وفاته، وبعدها تزوج من الفنانة عبلة كامل ولكنه انفصل عنها بعد عامين فى هدوء، وقال عن ذلك أنه وجد تقاربا بينهما فى النشأة والعادات الريفية، ولكنه لم يكمل حياته معها لرفضه أن يكون زوج الست حيث شعر بأن ترشيحه فى بعض الأعمال فى فترة ما جاء مجاملة لها، ليتزوج بعدها من ابنة الفنان جمال اسماعيل.

 

التقيت بالفنان محمود الجندى فى أحد اللقاءات بمكتب الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق حيث كان يداوم على زيارته وكان صامتا قليل الكلام شاردا حزينا، ولكنه رغم أحزانه ظل يعمل حتى أيامه الأخيرة حيث شارك فى عدد من الأعمال الدرامية المقرر أن تعرض فى رمضان المقبل، ليرحل الغريب قبل أن يكمل حكاياته..رحم الله محمود الجندى الفنان الشامل والإنسان الصابر العائد إلى الله.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى